عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
482
اللباب في علوم الكتاب
واحد من الخصمين آمنا من تمكن الآخر من إبطال حقّه . وثالثها : قال بعض الفقهاء : العدل أن يكون ما يكتبه متّفقا عليه بين أهل العلم ، بحيث لا يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلا إلى إبطاله على قول بعض المجتهدين . ورابعها : أن يحترز عن الألفاظ المجملة المتنازع في المراد بها ، فهذه الأمور لا يمكن رعايتها إلّا إذا كان الكاتب فقيها عارفا بمذاهب المجتهدين ، أديبا مميّزا بين الألفاظ المتشابهة . قوله : « وَلا يَأْبَ كاتِبٌ » وهذا ظاهره نهي الكاتب عن الامتناع عن الكتابة وإيجاب الكتابة على كل من كان كاتبا ، وهذا على سبيل الإرشاد ، والمعنى : أنّ اللّه تعالى لمّا علمه الكتابة وشرفه بمعرفة أحكام الشّريعة ، فالأولى أن يكتب تحصيلا لمهمّ أخيه المسلم شكرا لتلك النّعمة ، فهو كقوله تعالى : وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [ القصص : 77 ] . وقال الشعبي « 1 » : هو فرض كفاية ، فإن لم يوجد من يكتب غيره وجب عليه الكتابة ، وإن وجد غيره ؛ وجبت الكتابة على واحد منهم . وقيل : كانت الكتابة واجبة على الكاتب ، ثمّ نسخت بقوله تعالى : « وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ » . وقيل : متعلّق الإيجاب ، هو أن يكتب كما علمه اللّه ، يعني : أنّه بتقدير أنه يكتب ، فالواجب أن يكتب كما علّمه اللّه ، ولا يخلّ بشرط من الشّرائط ، ولا يدرج فيه قيدا يخلّ بمقصود الإنسان . قوله : « أَنْ يَكْتُبَ » مفعول به ، أي : لا يأب الكتابة . قوله : « كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ » يجوز أن يتعلّق بقوله : « أن يكتب » على أنه نعت لمصدر محذوف ، أو حال من ضمير المصدر على رأي سيبويه « 2 » ، والتقدير : أن يكتب كتابة مثل ما علّمه اللّه ، أو أن يكتبه أي : الكتب مثل ما علّمه اللّه . ويجوز أن يتعلّق بقوله : « فليكتب » بعده . قال أبو حيّان « 3 » : « والظّاهر تعلّق الكاف بقوله : فليكتب » قال شهاب الدين رحمه اللّه تعالى : وهو قلق لأجل الفاء ، ولأجل أنه لو كان متعلّقا بقوله : « فليكتب » ، لكان النّظم : فليكتب كما علمه اللّه ، ولا يحتاج إلى تقديم ما هو متأخر في المعنى . وقال الزّمخشريّ - بعد أن ذكر تعلّقه بأن يكتب ، وب « فليكتب » - « فإن قلت : أيّ فرق بين الوجهين ؟ قلت : إن علّقته بأن يكتب فقد نهى عن الامتناع من الكتابة المقيّدة ، ثم قيل [ له ] : فليكتب تلك الكتابة لا يعدل عنها ، وإن علّقته بقوله : « فليكتب » فقد نهى
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 97 . ( 2 ) ينظر : الكتاب لسيبويه 1 / 116 . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 2 / 360 .